حجارة حلب وأرواح أبنائها تفجران دموعي

حجارة حلب وأرواح أبنائها تفجران دموعي

عدد القراء: 5600

يوسف صديق

دموعي لا تكاد تتوقف وأنا أشاهد صور أهلي وأصدقائي في طريقهم لمغادرة أرضهم، كل أحلامي وآمالي الصغيرة منها والكبيرة تتضاءل وتتكسر وأنا أراهم يسيرون إلى غربتهم، أطفالٌ إلى جانب أمهاتهم يحنو بهم البرد للالتصاق بأقدامهن، وأبٌ يضعُ أطفاله على عربةٍ خشبية لبيع الخضار يدفعها من الخلف، شبانٌ يكتبون آخر كلماتهم على جدران منازلهم المهدمة.

تكادُ روحي أن تخرج مع كل حركة أو التفاتةٍ يفعلونها، وبينما تتساقط الدمعات على هذه الورقة يتراءى لي منزلنا القديم وحارتنا العتيقة بحجارتها السوداء المرصوفة كما قطع "البقلاوة"، لقد كانت أياماً رائعة اللعب عليها أو تنظيفها كعملٍ إجباري ليلة العيد.

ليس لدي الكثير لأقوله فأنا قليل الكلام لكن اختناقي يضغطُ على عيني فلا تتوقف الدموع عن الجريان، لم يحدث لي مثل هذا منذ ست سنوات في الثامن عشر من آذار عام 2011 عندما سقط أول شهداء الثورة في درعا وسقط معه كل نشاطنا الفكري لإصلاح البلاد، ذلك اليوم الرهيب الذي نذرت فيه نفسي لمقارعة الظلم والطغيان، وكانت الثورة كما تمنيتها صادقة نقية خرجنا بالآلاف نصدح بالحرية وإسقاط النظام.

في دمشق وغوطتها الأبية هناك وبعد أسبوعين في دوما رأيت أول الشهداء بعيني، صورت وتحدثت للقنوات عما عايشت كصحفي وفي جامعة دمشق التي اعتقلني أمنها وأنا أحرض زملائي على الثورة ليخلوا سبيلي بعد عدة ساعات إثر إقناعهم أني كنت أقصد "القذافي" وليس الأسد، ومن ذلك اليوم حزمت حقائبي وعدت إلى مدينتي حلب متظاهراً ومنظماً وصحفياً، لقد آمنا بحريتنا وبحقنا بوطن عادل وكرامة يحملها كل السوريين، وكان معظم العالم بإعلامه وسياسييه وقادته يثنون علينا وعلى نضالنا في مواجهة الطاغية.

كنا نوقن أن الله معنا ولن يخذلنا لأننا على حق ونريد الخير لكل شعبنا، صرخنا وتظاهرنا كثيراً كانت حناجرنا مبحوحة باستمرار وهو ما نخفيه عن الجيران كي لا يعلموا أننا من الثوار، رغم ذلك كانوا يكشفوننا دائماً لأننا عادة ما نشتري أشياء لا تلزمنا أو نحمل أدوات لا تخصنا في محاولة يائسة لخداع مخبري الأمن.

بعد أكثر من عام زاد زاد قتل الثائرين في كل البلاد ودمرت قرى وبلدات وهجرت أخرى، تساقط الشبان في المعتقلات وتحت الرصاص في كل جمعة كان يزداد القتل ونحن نزداد إصراراً على مطالبنا بنيل حريتنا ورحيل الطاغية، العالم ذاته بإعلامه وسياسييه وقادته يصفق لنا وهو يرى دماءنا تسيل دون أن يحرك ساكناً.

ثم بدأ السلاح وانتفض شبان لمواجهة قمع الأسد وحرروا القرى والبلدات النائية، في صيف عام 2012 دخلوا مدينتي حلب وحرروا أكثر من نصفها ومعظم ريفها، وبدأت مظاهر الحرية تنتشر في ربوعها، لكن مع قصف ودمار وقتل للأبرياء من جيش الأسد، وبدأ الطيران بدك المدينة بالبراميل المتفجرة والصواريخ وتشكلت الكتائب في كل الأحياء للدفاع عن المدينة، أربع سنوات من التدمير جاءت معه مليشيات "حزب الله" ثم إيران وغيرها، لم يتمكنوا من إنهاء الثوار الذين رقصوا وغنوا في شوارع حلب وفتحوا المدارس والمعاهد والإدارات المحلية والمحاكم على قدر استطاعتهم، لكنهم ظلوا مجموعات متفرقة ولم يتوحدوا فكان مقتلهم.

في أيلول من عام 2015 دخل الروس إلى سوريا وأنشأوا القواعد وشرعوا بقصف المدن والبلدات لكن حلب كانت هدفهم فأمطروها بكل ما تحويه ترسانتهم ثم جلبوا بوارجهم وحاملات الطائرات عندما عجزوا عن احتلال المدينة بعد أكثر من عام على تدخلهم واستخدموا قاذفاتهم الاستراتيجية كأنهم يحاربون دولاً عظمى، وجلب الإيرانيون كل مرتزقتهم وخبرائهم ووضعوهم في حلب، ورفع بوتين "الفيتو" ست مرات لحماية الأسد في مجلس الأمن، بينما اكتفى من ادعوا أنهم أصدقاء الشعب السوري بالتنديد والشجب وتركوا مدينتي حلب تذبح أمام أعينهم وهم صامتون.

أه .. نسيت أن أذكر أنهم وروسيا تذرعوا بوجود "داعش" كي يقتلونا أو يصمتوا مع أن ثوار حلب طردوها منذ مطلع عام 2014.

لم أكن أنوي أن أروي تاريخ ما حدث لسوريا وحلب لكني اضطررت، كنت أنوي أن أقول فقط أني مشتاق لبيتي ولا أريد فقدانه وأني أريده وحريتي وحجارة حارتنا معاً ولن أفرط بأي منهم.  


تاريخ النشر: الجمعة 16 كانون أول/ديسمبر 2016 - 04:00 مساءً
حلبسورياتهجيرثوار

التعليقات المنشورة لا تعبر عن رأي مركز حلب الإعلامي وإنما تعبر عن رأي أصحابها
comments powered by Disqus