سوريا

مطبخ متنقل يقدم وجبات للفقراء وسكان المخيمات في إدلب

إدلب ( سوريا )  

ارتدى أنس قفازاً نظيفاً، زرَّ قميصه، غطّى شعر رأسه بقطعة قماش بيضاء اللون، وتحلّق مع مجموعة من الطبّاخين والعمّال حول قدر لتنظيف الدجاج والأرز بالماء والغازات الكربونية، استعداداً لتحضير وجبات للنازحين السوريين المنتشرين في قرى ومخيمات شمال إدلب، قرب الشريط الحدودي مع تركيا.

 

أحكم أنس إغلاق باب المطبخ المُصمم من قبل جمعية عطاء على متن حافلة قُبيل إنطلاقها، وفتح جميع النوافذ الجانبية مع شروع زميله ياسر بتقطيع البصل والبندورة وسكب الزيت والدجاج في قدر نحاسي.

بينما يُحضّر آخرون البهارات والأطباق البلاستيكية ولوازم التغليف وغسل الأطباق المتسخة، مع اقترابهم من الوصول إلى قرية "شام للأيتام" في إدلب، شمال غربي سوريا.

 

يحصي الطباخ أنس عبد الكريم الخالد ( 30 عام) وهو متزوج وأب لثلاثة أطفال، عدد الوجبات فور نضوج الطعام المكوّن من أرز طويل ودجاج محمّر وسكبه في أطباق بلاستيكية، في مرحلةٍ أخيرةٍ قُبيل توزيعه على الفقراء والمحتاجين.

 

يقول الشاب الثلاثيني وقد أنهكه التعب والحرّ، " في السابق كانت عملية طهي الطعام تتم في مطابخ ثابتة، تفصلها مسافات شاسعة عن أماكن إقامة النازحين والمشردين.

وتحتاج وقتا طويلاً لحين توزيعها، وهو ما يؤدي أحياناً لفساد الوجبات المغلفة عند اشتداد الحرّ صيفاً ووصولها باردة في الشتاء، فجاءت من هنا فكرة تصميم مطبخ متنقل يقدم وجبات طازجة ويختصر الوقت والمسافة".

 

ويوضح في حديثه ل AMC " اختيار أنواع الأطعمة يكون وفق لائحة دُرست بعناية في بداية تأسيس المطبخ المتنقل مطلع أيار/ مايو 2018، فنحرص في جميع الأطباق على توفير اللحم والدجاج والخضار الغنية بالألياف والفيتامينات، فالنازحون جلّهم يعانون سوءً في التغذية، نتيجة ضعف إمكانياتهم المادية".

ويضيف " لا أملك الكلمات المناسبة لوصف الشعور حين وقفت أمامي سيدة طاعنة في السن بعيون دامعة في أحد المخيمات، لتخبرني عن مرور أشهر طويلة في آخر مرة تناولت فيها اللحم، هذه أسباب تجعلني أواصل العمل متحدياً جميع الصعوبات".

 

تتكئ أم نوار ( 41 عام ) وهي أم لأربعة أولاد أكبرهم إلهام في ربيعها السابع عشر، على كتف إبنها حسن ( 10 أعوام) أثناء وقوفهما في طابور للحصول على وجبة من المطبخ المتنقل، وتقول لفرانس برس، " الحصول على الوجبة يوفر علينا مبالغ طائلة ليست بحوزتنا أساساً".

 

وتضيف السيدة وقد ارتدت نقاباً أسوداً أخفى ملامح وجهها " تحضير مثل هذه الأنواع من الأطعمة في المنزل بحاجة أولاً لشراء أسطوانة غاز ولوازم غسيل وتنظيف الأواني، وتأمين هذه المستلزمات بالنسبة لإمكانياتي المادية حالياً ضرب من المستحيل".

 

قبل عام ونصف، فرّت السيدة أم نوار مع أولادها الأربعة إلى قرية شام المخصصة للأرامل والأيتام، كحال المئات من جيرانها وأقاربها، على وقع تصعيد قوات النظام السوري وحلفائها من ميليشيات إيرانية ولبنانية القصف المدفعي والجوي على بلدة الحاضر، بريف حلب الجنوبي.

تغالب السيدة أم نوار دموعها وهي تروي قصة مقتل زوجها أواخر عام 2014 بقذيفة صاروخية أطلقتها قوات النظام السوري على بلدة الحاضر، جنوبي حلب، لتبدأ المعاناة في رعاية أربعة أطفال، دون وجود معيل.

 

في رحلة العودة إلتقت AMC بمدير جمعية عطاء في بلدة سرمدا الحدودية مع تركيا، السيد معاذ بقبش ( 40 عاماً)، تحدث الرجل عن فكرة تأسيس المطبخ المتنقل في أيار / مايو 2018، المستوحاة من العيادات المتنقلة التي تقدم الرعاية الطبية للمرضى المقيمين في المخيمات أو حقول الزيتون.

 

ويقول ل AMC " إنشاء مطبخ متنقل كامل المواصفات سهّل عملية إيصال الوجبات طازجةً للنازحين المنتشرين على طول الشريط الحدودي مع تركيا" ويضيف " تستفيد أكثر من ثلاثة آلاف عائلة شهرياً من إنتاج المطبخ، وتكون الأولوية دائما للنازحين الجدد، مع حرصنا الدائم على إستدامة المشروع وتوسعة طاقته الإنتاجية مستقبلاً".

 

فيما تحدث المنسق العام لمشروع المطبخ المتنقل السيد محمد عياش (31 عاماً) عن الغلاء الفاحش والمتصاعد في أسعار المواد الأولية مؤخراً، فتكلفة تحضير الوجبة الواحدة تخطت عتبة الثلاثة آلاف ليرة ( الدولار الواحد يساوي 1075)

 

وأشار السيد عياش إلى أن المطبخ يفتقر للإمكانيات المادية التي تؤهله لزيادة الطاقة الإنتاجية وإطعام أعداد أكبر، خصوصاً مع النزوح المستمر من بلدات ريف إدلب الجنوبي، نتيجة القصف من قبل قوات النظام وحليفتها روسيا.

 

وتغص القرى والبلدات الواقعة قرب الشريط الحدودي مع تركيا بأكثر من مليون نازح ومهجر من مناطق سورية عدة، نتيجة القصف والأعمال العسكرية في الشمال السوري، بعضهم افترش حقول الزيتون وآخرون إلتحقوا بالمخيمات، وسط ظروف إنسانية متردية، وعجز المنظمات والجمعيات عن استيعاب هذه الأعداد الكبيرة، وفق دائرة شؤون المهجّرين العاملة في الشمال السوري.

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى