آراء

روسيا ومقامرة التدخل في سوريا

حرب من نوع آخر تنتظرها سوريا بعد أن وازنت روسيا أخيراً بين الغطاء السياسي الذي كانت تشكله لنظام الأسد على الصعيد الدولي، وبين القوة العسكرية التي تصل تباعاً لميناء طرطوس ومطارات اللاذقية، وفق تقارير مرفقة بصور تظهر جنرالات وجنود روس في معسكرات تدريبية، نشرتها صحيفة التايمز البريطانية.

التدخل العسكري الروسي المعلن في سوريا لم يكن وليد اللحظة، فلم تبخل روسيا منذ اندلاع الثورة الشعبية ضد نظام الأسد في منتصف آذار/ مارس من عام 2011 على تقديم أطنان من الأسلحة والمستشارين العسكريين والسياسيين، مبررة ذلك باتفاقيات قديمة وقعتها مع الحكومة السورية إبان حكم حافظ الأسد.

– التدخل الروسي أتى بموافقة أمريكية ؟

لا يخفى على أحد الخذلان الروسي لنظام الأسد، حين قررت الولايات المتحدة الأمريكية توجيه ضربات جوية وصاروخية لمواقع النظام، بعد أن تجاوز الأخير خطوط أوباما الحمراء، واستخدم السلاح الكيماوي في قصفه على غوطة دمشق الشرقية، وصرّح حينها وزير الخارجية الروسي سيرغي لافروف بتاريخ 20 أيلول / سبتمبر 2013 "نحن واضحون جداً، لن نخوض حرباً ضد أحد من أجل الأسد، وبوارجنا الحربية في بحر المتوسط بعيدة عن ساحات المواجهات".

ذاك التصريح مثّل صدمة وخيبة أمل كبيرة في أروقة النظام، الذي كان يتفاخر بالدعم الروسي السياسي والعسكري اللامتناه في مواجهة الشعب السوري والدول الداعمة له، وخلق إلى حدٍ ما نوعاً من انعدام الثقة بين الطرفين، سيما وأن التصريحات الروسية السابقة تظهر مدى تمسكها بشخص الأسد نفسه، وأن لا بديل للحكم في سوريا سوى النظام الحاكم، وأظهر تصريح لافروف كذلك مدى ضعف بلاده أمام قوة الولايات المتحدة وحلفائها، وأكد في الوقت نفسه عدم اتخاذ روسيا أي خطوة لا تلقى ترحيباً أو على الأقل غض طرف من الجانب الأمريكي.

اليوم تحرك روسيا أساطيلها البحرية والجوية باتجاه الأراضي السورية، وتجهز قواعد عسكرية في مدن الساحل السوري، وتعلن عن القوة التي ستشارك بها من خلال تعمد تسريب صور لطائراتها المتطورة وجنودها الذين يستعدون للانخراط في المعارك، على مرأى الولايات المتحدة التي اكتفت بالقلق إزاء تحركات الجيش الروسي، وتراجعت بعدها عن القلق على لسان جون كيري وزير خارجيتها لترحب  بعد ذلك بانضمام الجيش الروسي في الحرب ضد الإرهاب في المنطقة.

ثمة سؤال يطرح نفسه بقوة، عمّ إذا كانت فعلاً كما يشاع على ألسنة المحللين العسكريين، أن الولايات المتحدة تدفع لإغراق روسيا في المستنقع السوري، فتكون بذلك أشد حماسة من الروس أنفسهم في مسألة التدخل، أم أنها فعلاً تدرك واقع النظام المرّ الذي وصل أدائه على أرض المعركة إلى حد الهزالة، رغم التدخل الإيراني ونخبة مقاتلي حزب الله اللبناني، فسير المعارك في جبهات الشمال والمنطقة الوسطى وحتى الجنوبية، وسقوط المدن واحدة تلو الأخرى ابتداءً بإدلب وليس آخراً في قرى سهل الغاب، ينذر بكارثة قد تطيح بأركان النظام المتآكل، لذلك استوجب التدخل العسكري الروسي ولا مجال أبداً للتأخر.

-هل ستمنع روسيا بتدخلها انهيار النظام ؟

تعلم روسيا جيداً أن تدخلها في سوريا سيكون محدوداً، وربما يقتصر على إبقاء مدن الساحل آمنة بعيدة عن خطر الثوار، الذي رغم بطئه يقترب شيئاً فشيئاً، ليس دفاعاً عن معقل الأسد أو العلويين ككل، بل لتبقى قدمها مغروسة في رمال الشرق الأوسط، وتدرك كذلك روسيا في قرارة نفسها ومن قبلها الإدارة الامريكية، أنه ليس باستطاعة الروس خوض معركة مفتوحة على كامل الجغرافيا السورية، لعدة أسباب أهمها، الواقع الاقتصادي المترد الذي سيقوض قدرة الجيش الروسي على الاستمرار في حرب طويلة ربما تمتد لسنوات، ولم تنسَ روسيا خسارتها المدوية على يد بضعة آلاف من المقاتلين في الشيشان المجاورة قبل سنوات، والذين حطموا بإمكانياتهم المتواضعة امبراطورية الاتحاد السوفيتي الأقوى عمالياً آنذاك، فكيف بمئات الفصائل وعشرات آلاف المقاتلين المنتشرين على طول وعرض مساحة سوريا.

ربما هذا ما أكده الكاتب والمحلل السياسي الروسي المختص في شؤون الشرق الأوسط أندريه ستيبانوف، حين قال "إن التحليل الموضوعي للوضع القائم في سوريا يدفع للاعتراف بحتمية انهيار نظام بشار الأسد بشكل متسارع، استناداً لسير المعارك وتراجع النظام أمام زحف معارضيه، مشيراً إلى أن التدخل العسكري الروسي في أحسن أحواله سيحمي مصالح روسيا في بحر المتوسط، ولن يفضي لإنقاذ النظام"، ونوه ستيبانوف إلى أن روسيا تفهم أن هنالك رغبة أمريكية إسرائيلية بشرق أوسط جديد يتم التحضير له، وهي تسعى لأخذ دور فعال في المنطقة.

 

مقالات ذات صلة

شاهد أيضاً
إغلاق
زر الذهاب إلى الأعلى