سوريا

القصف يفقد سيدة سورية أطرافها وزوجها يترك عمله لأجلها

مجاهد أبو الجود

"اتصلوا به لتراه عيناي قبل أن ألقى حتفي" لم تكن السيدة نغم بوعيها عندما نطقت بهذه الجملة، حيث أغمي عليها بعد تعرضها للقصف الجوي في مدينة خان شيخون، في الوقت الذي كانت تحتاج به إلى أحد ما يتبرع لها بالدم.

ما زاد وضعها سوءاً هو زمرة دمها الشبه مفقودة، ربما فصلها لحظات عن مفارقة الحياة، بينما زوجها علم بإصابتها بالقصف الذي تعرضت له المدينة، كان تائهاً يركض في شوارع المدينة يسأل عن أحد يحمل ذات زمرة الدم من أجل التبرع لزوجته، كيس واحد من الدم كان كفيلاً بعلاج نغم.
لم يمر على حازم زوج نغم يوماً كهذا، إنه يوم القيامة حسب وصفه، فسيارات الإسعاف تنقل الجرحى ومن بينهم زوجته التي أصيبت بعد أن تعرضت مدرسة في المدينة للقصف.
تعمل نغم في مدرسة بخان شيخون، ولم يمضِ على عملها سوى ثلاثة أشهر من تاريخ الحادثة، وكانت قد حققت حلمها بعد أن أكملت دراستها الجامعية في مجال التربية والتعليم لتصح معلمة للأطفال.
بدأت لحظات المعاناة تظهر بحياة نغم وزوجها حازم أواخر العام الفائت، بعد أن قصف الطيران الروسي مدرسة في خان شيخون كانت نغم من إحدى كوادرها التدريسية، في ذاك اليوم أصيبت نغم وفقدت كلتا أطرافها السفلية الأمر الذي جعلها مقعدة لا تستطيع الحركة.
في حديث معها تقول "في اللحظة التي قصفت بها الطائرة فقدت وعيي لثواني وبعدها كنت أظن أنه لم يحدث شيء، حاولت المشي ولكنني لم أستطع، نظرت إلى قدمي لأراها مقطوعة وبعيدة عني أما الثانية فموصولة بقطعة من جلدي، نظرت بمحيطي فرأيت نفسي وسط ساحة المدرسة".
وتضيف "ظننت أنها الدقائق الأخيرة من حياتي إلى حين أتت سيارة الإسعاف وحملني المسعفون إلى المشفى، وهناك رأيت الإصابات الكثيرة التي وصلت للمشفى جراء الغارة الجوية، فقيم الطبيب حالتي على الفور لكنه تركني وذهب إلى جرحى آخرين عله ينقذ ما يمكن إنقاذه بينهم".
في ذاك اليوم، كان حازم خائفاً على حياته زوجته التي لم يمضي على الزواج بها سوى ستة أشهر، وما إن طلب المسعفون الدم لزوجته حتى ركض حازم يدور بين شوارع المدينة عله يجد أحداً يحمل زمرة الدم المثيلة لدى زوجته.
بعد يوم عصيب، نجح الأطباء بإنقاذ حياة نغم، لكنها أصبحت مقعدة بعد أن فقدت أطرافها السفلية، أما زوجها حازم فقد ترك عمله ليبق بجانبها ويخدمها عند حاجتها ويقوي من عزيمتها، فالحب مشاعرٌ وأرواحٌ لا تحولها حائل وتجعل سعادة الفرد تتناسب طرداً مع نصفه الآخر حسب قوله.
ربما السبب الذي يجعل نغم متفائلة بحياتها إلى حد هذه اللحظة هو وقوف زوجها بجانبها في الضراء، وهذا الشيء جعلها تقاوم ما هي عليه وتنجز قدراً من مهامها كربة منزل.
فلا تزال نغم تغلي القهوة كل صباح وتأتي باللوازم المنزلية إضافة لذهابها إلى الأسواق والحدائق العامة برفقة زوجها.
يقول حازم مع ابتسامة خفيفة "أصبحت ربة منزل، يمزح مع زوجته ويقول الله يحميكي وتبقي بجنبي طول العمر".
أما نغم فتقول "كنت امرأة كاملة بينما اليوم نصفٌ عاجز، لا أدري كيف سأكمل حياتي به، حلم أي امرأة أن تكون أمّاً ويكون لديها أطفال وبنون، هل سيكون لي ذلك وهل سأستطيع تحقيق حلم حازم بأن يكون أباً؟".
بالتأكيد – تقول نغم – لن أفكر في الإنجاب ما لم أكن قادرة على القيام بمهام المنزل على الأقل، يكفيه الأعباء التي تحملها بسبب إصابتي، لا أريد أن يصبح حازم شخصين أو ثلاثة في آن واحد.
اجتاز حازم ونغم رحلةً محفوفة بالمخاطر للوصول إلى تركيا في تموز – يوليو من العام الجاري، حيث يقيمان الآن في دار للاستشفاء في بلدة الريحانية على الحدود التركية السورية، لكن وإلى الآن لم تفِ المنظمات الطبية بوعودها مساعدةَ نغم بتركيب أطراف اصطناعية ذكية أو نصف ذكية لتكلفتها الباهظة.
وتعتبر الأطراف الاصطناعية أفضل علاج نفسي لمصابي البتر، كونها تعيدهم لحالتهم الطبيعية ما قبل الإصابة من ناحية نفسية، ومن ناحية طبية فإن عدم وجودها يؤدي لنقص كثافة العظم وإرهاق العضل وضموره بسبب قلة الاستعمال.
لكن كلفة العضو الاصطناعي الكهربائي – معروف باسم عضو ذكي – الواحد يتراوح بين الثلاثين والخمسين ألف دولار أمريكي، وهي مرتفعة جداً حسبما يقول طبيب نغم الدكتور محمد مصطفى أخصائي الجراحة العظمية، "فتكلفة عضو واحد يضاهي كلفة مئة عضو تجميلي ثابت (غير ذكي)".
ولم تفقد نغم الأمل بعودتها كما كانت. حازم قرر السفر إلى أوروبا برفقتها لإكمال علاجها وتركيب أطراف ذكية لها، في حين لم تفِ المنظمات الطبية في تركيا بوعودها. بينما تطمح نغم بعودتها إلى مهنة التعليم حتى ولو كلفها الأمر أن تعلم الأطفال في منزلها حسبما تقول.
وتشير إحصائيات صادرة عن الائتلاف الوطني لقوى المعارضة السورية أواخر عام 2014 أن أعداد المعاقين جراء الحرب السورية تجاوزت 270 ألف حالة، بينما صرح حسين نوفل رئيس الهيئة العامة للطب الشرعي التابعة لحكومة النظام السوري أواخر عام 2015 أنَّ مليون ونصف شخص قد فقدوا أحد أطرافهم جراء الحرب، وقالت منظمة الصحة العالمية في كانون الأول من العام ذاته أن نسبة المعوقين نتيجة الحرب قد بلغت 10% من سكان سوريا.

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى