مفاوضات كازاخستان .. الخسارة الأقل تكلفة

مفاوضات كازاخستان .. الخسارة الأقل تكلفة

عدد القراء: 8609

مما لا شك فيه , أن سوريا واحدا في طول البلاد وعرضها لم يترآى لذهنه ولو لبرهة , أن يكون هو ووطنه محتومان بمصير تحدده دول , لم يكن لها شأن في خريطة البلاد أو مستقبلها في ليلة ثار فيها السوريون لأجل الكرامة .

روسيا وإيران وتركيا , ثلاثة دول وجدت لها ما يدفعها للدخول في سوريا سياسيا وعسكريا , بدرجات متفاوتة ولصالح طرف دون الأخر , وجميعهم يدعون الحرص على سوريا وأهلها , فإن اختلفت أسباب تركيا في موقفها الإنساني من الثورة السورية ومآلاتها التي دفعت أنقرة ثمن لها من أمنها وبيئتها السياسية الخاصة , لم تكن الأسباب مقنعة لكل من روسيا وإيران , اللتان اتحدتا في غرض الإبقاء على بشار الأسد ودوام نظامه حتى رغم ترنحه لأكثر من مرة واقترابه من الهاوية.

ثلاث دول اختارت لنفسها قرار تحديد المصير بالوكالة عن السوريين , منهم من أضعفه ثمن التدخل لصالح الشعب أو لصالح النظام , ومنهم من لم تصل طبيعة مصالحه بعد للدرجة الكافية للتوقف , ولازال يطمح في حصد المزيد واستمر في لعب دوره .

ثلاث دول , يمكن اعتبارها الباقي الأوحد وسط مجموعة قوى إقليمية ودولية , مشت في مسار الفوضى السورية لكنها لسبب أو لأخر توقفت أو انسحبت كليا , ولم يخفى عن تلك الدول أمريكا , التي تشبعت من خطوط حمراء وضعها سيدها ذو الأصول السوداء , فواشنطن بين الفينة والأخرى ترتبك في مواقفها , وترتجل مواقف أخرى يظنها البعض جادة فيها لكنها لاتلبث أن تعود من حيث ماجاءت متفرج على المشهد , في انتظار السيد الجديد الذي أورثته ملفا هو الأصعب لها في تاريخها بعد الحرب الباردة .

أوروبا , بدولها واتحادها وهلامية مصالحها في سوريا , تحولت من داعم سياسي للثورة إلى ناقم عليها , بعد أن نجح الأسد وأعوانه في تصدير الإرهاب لها وترويعها من راية سوداء كتب عليها الشهادة , ليتحول موقفها السياسي إلى بيانات قلق وترقب لا تسمن ولاتغني من جوع .

 وبعيدا عن دول العربية المتذبذبة في مواقفها وعن دول الخليج التي يعجز القلم عن وصف حالها , لم يبقى في المشهد إلا عواصم الدول الثلاث , تتباحث سياسيا وتؤدي دور الشرطي الصالح , وتتباطش ميدانيا بشكل مباشر أو بالوكالة على الأراضي السورية .

لايدرك المرء ما تخفيه أقنية الممرات السياسية وغرف الاجتماعات المغلقة في موسكو أو عبر الخط الساخن مع أنقرة , لكن هناك ما يؤكد أن تلك الدول , وجدت حلا أنسب لها في تقاسم الكعكة السورية أو الخروج من مآزقها بلعبة سياسية توكل فيها الأدوار لأصحابها تحت مسمى مفاوضات سياسية , أختير لها كازاخستان لتكون بيت الحل في سوريا .

مفاوضات , يعتقد البعض أنها لن تكون بعيدة عن ما خرجت به موسكو في وثيقتها التي غاب عنها السوريون أنفسهم , لكنها مفاوضات قد تكون أكثر إلزاما من جولات مفاوضات سابقة في جنيف لم ينتج عنها سوا بيانات وسلسلة هزائم سياسية , لمنح الجسد السوري حقنة مخدرة تسكت الألم .

إذا , هيئ الشعب السوري بعد ست سنوات من الثورة , تقبل أي نتيجة قد تآتي بها كازاخستان , نتيجة قد تكون قاسية للمعارضة بنخبها الثورية والسياسية , لكنها ملزمة على تقبلها بعد خسارتها الفادحة في حلب, ورسائل التهديد بما بعد حلب , والإشارة بكل تأكيد عن موقع ارتكازها في ادلب .

في المقابل النظام مجبر عليها لتقبلها ,لأنه يدرك أن حلفائه في موسكو جروه إليها وغصبوه على تقبلها مع نسيان معادلة المهزوم والمنتصر , فهو يعلم جيدا أن الانتصار الوهمي الذي شارك فيه شكليا في حلب لم يكن سوا ورقة لعب من أوراق عديدة دفعت بها روسيا لتعديل ميزان القوى على الأرض قبل الدخول في مفاوضات الحل النهائي .

شخصيا , لا أرى حلا يرتجى في مفاوضات كازاخستان تحت رعاية الدول الثلاث , ولكنها إلى الأن ستكون الجولة الأقوى لا الحاسمة , الجولة التي يراد منها صنع بيان جديد لتحديد أفق وملامح الحل السياسي , وإيجاد أرض قد لاتكون صلبة لتسوية سياسية , قبل التبشر أو التشاؤم بالسياسة القادمة للبيت الأبيض في واشنطن.

في النهاية , الجميع في سوريا خاسر , وان كانت الخسارة الكبرى فيما تكبده الشعب السوري , لكن دول العالم كلها وفي مقدمتها عواصم اللاعبين الثلاثة , وبعد كل تلك الأعوام من الحرب , لم يبقى في جعبتها ما تقدمه او ما يساوي عندها , من مصالح ما تدفعه ثمنا لاستمرار الحرب في سوريا , الجميع أرهق , تعب , أصابه الملل , من الخوض أكثر في المشهد السوري , وبات التحول إلى اللعب سياسيا أكثر جدوى من البقاء على جبهات القتال .. لذلك ستكون كازاخستان الخسارة الأقل تكلفة لجميع المشاركين فيها .


تاريخ النشر: الخميس 29 كانون أول/ديسمبر 2016 - 11:47 صباحاً


التعليقات المنشورة لا تعبر عن رأي مركز حلب الإعلامي وإنما تعبر عن رأي أصحابها
comments powered by Disqus