أن تكون ضحية

أن تكون ضحية

عدد القراء: 1783

مركز حلب الإعلامي

محمد - يحيى

مستلقٍ وسط بقعةٍ من الدماء، في بناء يُقال له مشفى، أنتظر من يخيط جرحي أو من يضعني في حفرة، امتزجت في غرفة الإسعاف دماء وأشلاء لأبرياءٍ يتوافدون طالما تدور عقارب الساعة وتحلّق الأشباح السوداء في السماء، لا بأس .. هناك من يقلق لأجلهم.. لا بأس عليكم .. هي فاتورة الحرية يا معشر المذبوحين.. 


*************

أجلس قرب شامل في مركز للدفاع المدني، اعتدنا السهر يومياً في هذا المكان، تلك الليلة كانت باردة رغم أننا في ذروة الصيف، كان نهارها الأكثر دموية منذ مدة طويلة بسبب كثافة القصف والمعارك، أستمع لتحذيرات تطلقها مراصد حركة الطائرات عبر جهاز لاسلكي، على أنغام هدير المقاتلات وارتطام صواريخها وبراميلها في كل اتجاه.


- شامل خلينا نمشي صرلنا ساعة نستنى والطيران مو ناوي يهدا اليوم، امشي خاي الله الحامي".

- بلهجته الريفية وصوته الجامح " لك خيو وين نمشي مالك شايف يحيى ؟ الطيران عبيضرب الأنصاري والفردوس والمشهد وهدول المناطق على طريقنا، استنى خلي يروح هالعرصة بعدا منمشي، أنا معي العيال أنت إذا متت لا وراك ولا قدامك". 

لا أدري لما دائماً أُسرُّ خوفي وأُظهرُ لا مبالاتي عند شعوري بالخوف، لست شجاعاً أو على الأقل أجهل ما يشعر الشجعان في لحظات الرعب، ما أدركه أن الخوف متأصلٌ في قلبي، ربما هو النفاق الحلال الذي اعتدت ممارسته حتى أواصل العيش في مدينة صُنفتْ الأخطر في العالم. 

- المروحي نفذ في طريق العودة" يصيح الجهاز اللاسلكي، ما يعني خلو سماء المدينة أخيراً من تحليق الطائرات، بدون أن نتحدث استقلينا السيارة أنا وشامل، لنقلّ عائلته الزائرة عند أقاربه، فتوقف القصف الجوي في حلب مؤقت ونادر الحدوث، لا تنفع عادة الإجراءات الاحترازية في مدينة تُدك على مدار الساعة، المفاجئات دائماً حاضرة، بالتأكيد لا أقصد السارة منها، لكن الاستماع للمراصد أمراً اعتيادياً لابد منه.

كعادتي تظاهرت باللامبالاة عند كل لحظة خوف تتملكني.. 

- أي شامل قال الشباب قربو علينا وعضة كوساية بيفك الحصار ناوي أنت تطلع على تركيا ولا تبقى بعدين شو قررت ؟ 

لأول مرة أرى شامل صامت، غريب أن ترى صديقك المرح المشاغب متوتر إلى هذا الحد، عيناه بارزتان ويداه تمسكان المقود بقوة، مسرع ٌكأن شبحاً يلاحقه، صدر تحذير آخر من المراصد بالانتباه من الطيران المروحي في منطقة سيف الدولة حيث نتواجد، تمددت على مقعد السيارة بحركة لا إرادية، تجاهلت النظر إلى شامل وأنصتّ بخشوع لدعاء زوجته، سكت كل صوت في لحظة أو أُسكتَ عنوة .. الدعاء الذي لم يُستجَب .. صوت أولاده آلاء ويامن .. توتر شامل، تحول الظلام الدامس إلى نهار مشع، انتظرت اللحظة التي أستيقظ فيها من حلم مزعج، ارتطمت السيارة في عامود على جانب الطريق، ارتطامها كان بمثابة الاستيقاظ من كابوس ليتني بقيت فيه ولَم أره يقظة.. ليتني ياشامل كنت حالماً..

شامل نائم على المقود.. زوجته تتأوه .. آلاء ويامن لم يجيدا البكاء من هول اللحظة، ترجلت من السيارة لأرى كل شيء حولي يحترق، ما رأيته أشبه بمشهد مقتطع من فيلم سينمائي لمخرج محترف، كل الموت المنتشر في هذا الشارع سببه برميل ألقاه طيار ومضى ليزرع الموت في شارع آخر..! هكذا بمنتهى البساطة..

- شامل .. عم تسمعني يا شامل ؟! كان نومه اللإرادي أعمق من أن توقظه صرخاتي، أخرجت طفليه من السيارة ولَم أنتبه لغزارة الدم النازف من رأسي، وصلت سيارات الإسعاف متأخرة على غير عادتها، كانت نظرات المسعفين مألوفة، سبق لي رؤيتها في مجزرة ما، ما تغير أنني هنا الضحية لا المُشاهد.. فرق كبير بينهما .. صدقني يا أخي المسعف..

ضممت يامن وآلاء إليّ وأغمضت عيناي حين أخرجوا شامل وزوجته من سيارته، لم أرغب بأن يريا والديهما ضعيفين أو ربما ميتين، أصواتٌ متزاحمة في رأسي، وددت لو أصرخ بأعلى صوتي حتى أُسكتها جميعاً، كانت يداي ترتجفان من برد أو أغلب الظن من الخوف، كم استخفيت بك أيها الموت.. لطالما كنت أتجاهلك.. 

- يصرخ أحد المسعفين " طلاع معنا أنت والولاد بسرعة المروحي بالأجواء.. بسرعة خاي بسرعة ما بدا وقفة"

- أنا مافيني شي لحقو شامل وزوجته

-يا زلمة شلون مافيك شي ؟ طلع على حالتك مغسل بدمك

أتصدقون لو قلت لم أشعر بألم؟! كانت الدماء قد صبغتني بلونها الأحمر الداكن، رباه .. أهي رأفتك ورحمتك ببريء مثلي ؟ لم أشعر بوخزة إبرة حتى! 

في الطريق إلى المشفى كنت مشلول التفكير والحركة، أرقبُ توتر المسعفين وأُنصتُ لمواساتهم، تذكرت الفتاة التي أُحب.. وكيف ملّت انتظاري وزُفتْ إلى حبيبها الجديد. 

حين وصولي للمشفى الميداني المدّمر جزئياً بفعل غارة سابقة لم أشعر بالوحدة إطلاقا كما يشاع عن روادِ المشافي، يصعب على أي أحد مهما بلغت حذاقته إحصاء أعداد الجرحى القادمين من كل ركنٍ حلقت فوقه طائرة أو قصدته قذيفة..

مستلقٍ وسط بقعةٍ من الدماء، في بناء يُقال له مشفى، أنتظر من يخيط جرحي أو من يضعني في حفرة، امتزجت في غرفة الإسعاف دماء وأشلاء لأبرياءٍ يتوافدون طالما تدور عقارب الساعة وتحلّق الأشباح السوداء في السماء، لا بأس هناك من يقلق لأجلهم.. لا بأس عليكم .. هي فاتورة الحرية يا معشر المذبوحين.. 


تاريخ النشر: الأحد 22 تشرين أول/أكتوبر 2017 - 10:02 صباحاً
حلبشهيدإسعافسوريا

التعليقات المنشورة لا تعبر عن رأي مركز حلب الإعلامي وإنما تعبر عن رأي أصحابها
comments powered by Disqus